جريدة الوطن السعوديه – شتيوي الغيثي
أصبح برنامج شاعر المليون البرنامج الأول خليجياً وربما عربياً كذلك، من ناحية المتابعة المستمرة من قبل جمهور الفضائيات العربية صغاراً وكباراً ومن الجنسين، وهو ظاهرة تستحق الدراسة الثقافية المعمقة كونه أخذ هذا الحجم من النجاح الجماهيري، وهذا النجاح يعتبر في رأي المهتمين بالنقد الثقافي مشكلة ثقافية، فكلما كان الشاعر جماهيرياً كان ذا نسق فحولي، والرؤية المستفحلة هي أحد إشكالات الوعي العربي قديما وحديثاً، حتى لدى الكثير من شعراء الحداثة الذين كانوا ينتقدون فحولية الشعراء التقليديين، وهي في رأيي تبدو أقرب إلى الحقيقة الموضوعية في حال فحص الكثير من القصائد، ولذلك كان نقد الدكتور الغذامي مزعجاً للشاعر والمفكر أدونيس وهو الشاعر الحداثي الأول عربياً، حتى وصفه الأخير بأنه كان في نقده مجرد خطيب مسجد وليس ناقداً.
البرامج التي تهتم بالشعر الشعبي تنتشر في الفضائيات العربية كما تنتشر الأغاني السخيفة، وكلها تحمل تراجعاً عربياً مقصوداً أو غير مقصود في الوعي العربي عموماً، وهذا التراجع ليس ناتجاً عن الشعر الشعبي؛ بل هو مؤشر لتراجع يطال بنية الثقافة العربية، عموماً كان الشعر الشعبي هو الممثل الحقيقي في هذه الفترة لهذا التراجع، مع أني أعتبر مثل هذه البرامج مجرد وسيلة مالية تستفيد منها الفضائية العربية التي تقوم على مثل هذه البرامج.
لست ضد الشعر الشعبي ولست معه في نفس الوقت، هو معبر من معبرات الثقافة العامة، وأنا شخصياً أستمتع بالكثير من هذه القصائد؛ لكن القضية تكمن في المعطى الثقافي الذي تقوم عليه قصائد الشعر الشعبي، والمضامين الثقافية والدلالية التي توحي بها معظم قصائد الشعراء الشعبيين، وهي قصائد تنضح برؤية متخلفة في كثير من أحايينها، وكأنها تفصيلة جاهزة يتناوب على استخدامها الشعراء، وهي سمة عامة في الشعر العربي حديثاً سواء الفصيح منه أو ذلك الذي يكتب باللهجة العامية، ولذلك كان لأفلاطون الحق في طرد الشعراء من جمهوريته كونهم يزيفون الوعي العام إرضاء للجماهير.
كان الشعر ولا يزال على طريقته العربية مرتبطاً بالقبيلة ارتباطاً وثيقاً، وتحتفل القبيلة بوجود شاعر أكثر مما تحتفل بوجود حكيم لديها، فهو يحقق لها انتشاراً عربياً واسعاً لا يوازيه في هذا الانتشار إلا الكرم كقيمة عوائدية براغماتية اقتصادية لدى الرجل العربي الأول كونه محدود الموارد لذا يلجأ إلى قيمة الكرم كنوع من تبادل المنفعة، وليس لقيمة الكرم بذاته كقيمة من القيم الإنسانية الرفيعة ولعل أحسن من تمثل هذا الكرم في قيمته الرفيعة في رأيي هم الصعاليك الذين ثاروا على قيم القبيلة الزائفة.
القبيلة والوعي القبلي أحد مكونات الشعر العربي القديم، فهو يتكئ عليه اتكاء كبيراً، ولذلك دائماً ما نرى الشعراء الكبار في الأدب العربي عموماً مرتبطين بالقبيلة كثيراً حتى وإن ثار الشاعر على القبيلة فلأنها لم تعطه قيمته التي يريدها لذاته في تراتبية مقيتة كان الشاعر نفسه ضحيةً لها كما لدى عنترة مثلاً أو طرفة بن العبد. الشاعر باحث عن المنفعة أبداً و المنفعة المادية منها بالذات. يمكن أن يكون المتبني شاعر العربية الأول هو الأنموذج الأوضح هنا على كل ما يملك هذا الشاعر من قيمة شعرية متفوقة تفوقاً كبيراً.
شعراء العربية قديماً لديهم أكثر من أسلوب منفعي تجاه قصائدهم فما بين قصائد الفخر القبائلي، ومدح الأمراء والخلفاء، أو هجاء من يقومون بهجائه لاعتبارات نفعية تصب في جيوبهم. وربما كان عمر بن العزيز استثناء غريباً من جملة الخلفاء والملوك الممدوحين يثبت القاعدة ولا ينفيها، كونه رفض طريقة الشعراء هذه حينما وقفوا على بابه لتدبيج المديح.
برنامج شاعر المليون يعود بالوعي العربي إلى الوراء آلاف السنوات من خلال مسابقته في الشعر الشعبي، وهو الشعر الذي يتقاطع في أكثريته مع الوعي العربي المتراجع، إلى مرحلة التغني بأمجاد القبيلة وكأننا في عصر ناقة البسوس الشهيرة كما تمثلها الشاعر ناصر الفراعنة في إحدى قصائده.
كل شاعر من الشعراء المتسابقين يبدأ قصائده الشعرية في مدح القبيلة أو مدح بعض الأمراء في عملية توسلية من أجل الوصول إلى الفوز لتحقيق مبلغ المليون ريال والمستفيد الأول وليس الأخير هم الشعراء ومن قبلهم القائمون على البرنامج أما كل أفراد القبيلة فهم ليسوا إلا أدوات في يد الشاعر يحاول أن ينجح على حساب هواتفهم الجوالة.
كانت القبيلة تتناسب مع الوضع البدائي الذي عاش فيه الرجل العربي في فترة من فترات عيشه على هذه الأرض، لكن أن يستمر هذا الوضع بحيث تتشكل القبيلة في كل مرحلة بشكل جديد حتى بعد مرحلة المواطنة، فهذا ليس بالمقبول ضمن إطار الوعي بالتطور الحضاري، فالقبيلة تقوم على التمايز القبلي بين أفراد القبيلة الواحدة فما بالك بالقبائل الأخرى وهذا فيه تجن على إنسانية الإنسان والرقي الحضاري الذي خطت من أجله البشرية الشيء الكثير وقامت بالتضحيات من أجل تحقيقه. كما أن الوعي القبائلي وعي ضدي، بمعنى أنه يحمل الضغينة لآخر فما هو ليس معي فهو ضدي: (وما أنا إلا من غُزية إن غوت... غويتُ وإن ترشد غُزية أرشدِ) في حالة نفسية من التماهي المطلق مع القبيلة بكل سيئاتها.
إن برامج ومسابقات الشعر الشعبي تخلق قيماً مشوهة، أو تعيد إحياءها من جديد، وتعيد الذائقة العربية إلى مرحلة الاجترار الفكري والشعري القديم من غير خلق معان تتناسب مع روح العصر المنفتح على كل القيم الإنسانية الجميلة، ولذلك فإنه من الضروري إعادة الاعتبار للشعر العامي الجميل بعيداً عن الاسترزاق الشعري الفج الذي يقوم عليه الكثير من هؤلاء، فالشعر العامي ذو مدلولات شعرية جميلة، وهو ثقافة عامة تعطي الهامشي في الثقافة دوره المعول؛ أما بهذا الشكل المستفز للعقل، فالقضية تتعدى المقبول به إلى رفض العودة إلى الوراء أو حتى مجر الحياد المعرفي تجاهه.